الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
264
تفسير كتاب الله العزيز
قوله : وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً : وهي في قراءة ابن مسعود : ( أعصر عنبا ) . وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً : وهي في قراءة ابن مسعود : قصعة من ثريد . تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 ) . قال بعضهم : كان إحسانه ، فيما بلغنا ، أنّه كان يداوي جرحاهم ، ويعزّي حزينهم ، ورأوا منه إحسانا فأحبّوه على فعله « 1 » . وكان الذي قال : ( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) ساقي الملك على شرابه ، وكان الذي قال : ( إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ) خبّاز الملك على طعامه . فقال للخبّاز : إنّك تصلب وتأكل الطير من رأسك ، وقال لساقيه : أمّا أنت فتردّ على عملك . فذكر لنا أنّهما قالا حين عبّر لهما الرؤيا : لم نر شيئا ، فقال : ( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) . وقال الكلبيّ : قال الساقي : إنّي رأيت فيما يرى النائم أنّي دخلت الكرم ، فإذا أنا بحبلة « 2 » حسنة الورق والظلّ ، ذات قضبان ثلاثة . فنظرت إلى القضبان فإذا أنا فيها بعنب قد طاب . فأخذت من العنب ، فعصرته في كأس الملك ، ثمّ أعطيته إيّاه ، فأخذه من يدي فشربه . فقال له يوسف : نعم الرؤيا رأيت . أمّا الحبلة التي رأيت وظلّها وحسن ورقها فهو عملك الذي كنت عليه ، وأمّا القضبان الثلاثة فهي ثلاثة أيّام تكون في السجن ، ثمّ يسأل عنك الملك ، فيردّك إلى عملك ، ثمّ تعطيه الكأس فيأخذها من يدك ويشربها . ثمّ قال له يوسف : اذكرني عند ربّك ، أي : عند الملك ، لعلّه يخرجني من مكاني . وقال الخبّاز : رأيت أنّي أحمل فوق رأسي خبزا ، وقال : يا يوسف ، عبّر رؤياي كما عبّرت لصاحبي ، فقال له يوسف : وما رؤياك ؟ فقال : رأيت فيما يرى النائم أنّي خارج من مطبخ
--> ( 1 ) هذا قول رواه قتادة وهو هنا مختصر ، انظر تفصيله ، وخبر يوسف مع من كانوا معه في السجن ، وحسن معاملته إيّاهم في تفسير الطبريّ ، ج 16 ص 99 . ( 2 ) الحبلة ، والحبلة والحبلة : الكرم مطلقا ، وقيل : الأصل من أصول الكرم ، أو : طاق من قضبان الكرم . وهذان المعنيان الأخيران هما المقصودان هنا . انظر اللسان : ( حبل ) .